الصفحة 65 من 166

ما الذي يميز كتابة أهل الحديث عن كتابة المتكلمين في الأصول؟

كيف نستطيع أن نصنف كتابًا على أنه على طريقة السلف؟ نتكلم عن المنهج؛ أصاب أم أخطأ في تقرير مسألة من المسائل، هذه مسألة أخرى.

نحن عرفنا أن كتب المتكلمين قد أدخلت مصدرًا جديدًا، ليس فقط في مباحث أصول الفقه، لكن في صياغة الأصول كذلك، فالمنطق الأرسطي يقول أن معلومات الإنسان تُقسم لقسمين: تصوّرات، وتصديقات؛ والتّصور لا يُمكن أن يُصبح تصورًا سليمًا إلا عن طريق التّعريف، والتّعريف يجب أن يكون"جامعا مانعا"؛ أي جامع لمعنى الجنس، ومانع في الفصل بينه وبين غيره لئلّا يلتبس عليه، وهو لا يبحث في ماهية الشيء إنّما يبحث في شكله وصورته، ولا يهتم بباطنه ومن أي شيء يتكوّن، ويهتم فقط بظاهره وشكله.

فأصبح الأصولي يتكلّم ويُشغلنا بالتّعريفات، ويدخل في خصومة كبيرة في تحديد ما هو التّعريف الصحيح، مع اجتماعه مع غيره في تقرير معنى الأصل في نفس المخالِف وفي نفس الموافق، مثل كلمة"العلم"؛ ينشغل الأصولي في بداية كتابه في تقرير معنى العلم، وهذا العلم لو سألت جدتي عنه تعرفه في نفسها! ولكن الخلاف في تعريفه؛ وقد يشغل حيزًّا كبيرا! ولو رجعنا للكتاب والسنة في معنى العلم لوجدناه يدخل فيه العمل الصالح، والقرآن يسمي أي معرفة على خلاف الحق جهلًا، وكذلك: {إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماء} ، فالعالم لا بد أن يكون خاشيًا وإلا لا يكون عالما، وقال الله: {كمثل الحمار يحمل أسفارًا} ، فهذا جاهل حمار، هل هناك أكثر من هذا الجهل؟ وهو يظن أن لديه المعرفة!

فهذه صورة من صور التفريق بين طريقة سلفيّة حديثية وطريقة مُبتدعة كلاميّة:

-أولًا: الصياغة؛ طريقة صياغة العلم.

-ثانيًا: مباحثه؛ المتكلِّم يعتبر أن هنالك مسائل كثيرة يجب أن تُطرح في أصول الفقه، ومنها ما ذكرنا لكم في قضايا تُعتبر من قضايا الاعتقاد عندهم: أول واجب على المكلَّف هل هو النظر؟ هل هو الطريق إلى النظر؟ هل واجب المنعم ثبت عن طريق الشّرع أم ثبت عن طريق العقل؟! وهكذا، هذه مباحث أدخلها المتكلمون في أصول الفقه، وليست منه ولا من جنسه.

-ثالثًا: طرق الاستدلال؛ فلو قرأت كتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري، أو قرأت (المستصفى) للغزالي لوجدت أن الاستدلال لا يقوم على الكتاب والسنة، فقلّما أن يذكر آية أو حديثًا ليستدلّ به على المسألة، ولكنّه يستخدم طرق المنطق؛ الدّور، التسلسل، لازم الشيء وضده، البرهان ... إلخ لإثبات صحة المسألة وخطئها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت