فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 6606

العاصف وبقي في ذلك السير أبد الآبدين ودهر الداهرين لكان الحاصل له من المعارف والعلوم قدرا متناهيا ولكانت المعلومات التي ما عرفها ولم يصل إليها أيضا غير متناهية والمتناهي في جنب غير المتناهي قليل في كثير فعند هذا يظهر له أن الذي قاله الله تعالى في قوله وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الإسراء 85 حق وصدق وأما بدنك فاعلم أنه جوهر مركب من الأخلاط الأربعة فتأمل كيفية تركيبها وتشريحها وتعرف ما في كل واحد من الأعضاء والأجزاء من المنافع العالية والآثار الشريفة وحينئذ يظهر لك صدق قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إبراهيم 34 وحينئذ ينجلي لك أثر من آثار كمال رحمته في خلقك وهدايتك فتفهم شيئا قليلا من معنى قوله الرحمن الرحيم فإن قيل فهل لغير الله رحمة أم لا قلنا الحق أن الرحمة ليست إلا لله ثم بتقدير أن تكون لغير الله رحمة إلا أن رحمة الله أكمل من رحمة غيره وههنا مقامان المقام الأول في بيان أنه لا رحمة إلا لله فنقول الذي يدل عليه وجوه الأول أن الجود هو إفادة ما ينبغي لا لعوض فكل أحد غير الله فهو إنما يعطي ليأخذ عوضا إلا أن الأعواض أقسام منها جسمانية مثل أن يعطي دينارا ليأخذ كرباسا ومنها روحانية وهي أقسام فأحدها أنه يعطي المال لطلب الخدمة وثانيها يعطى المال لطلب الإعانة وثالثها يعطي المال لطلب الثناء الجميل ورابعها يعطي المال لطلب الثواب الجزيل وخامسها يعطي المال ليزيل حب المال عن القلب وسادسها يعطي المال لدفع الرقة الجنسية عن قلبه وكل هذه الأقسام أعواض روحانية وبالجملة فكل من أعطى فإنما يعطي ليفوز بواسطة ذلك العطاء بنوع من أنواع الكمال فيكون ذلك في الحقيقة معاوضة ولا يكون جودا ولا هبة ولا عطية أما الحق سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته فيستحيل أن يعطي ليستفيد به كمالا فكان الجواد المطلق والراحم المطلق هو الله تعالى الحجة الثانية أن كل من سوى الله فهو ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد واجب الوجود لذاته فكل رحمة تصدر من غير الله فهي إنما دخلت في الوجود بإيجاد الله فيكون الرحيم في الحقيقة هو الله تعالى الحجة الثالثة أن الإنسان يمكنه الفعل والترك فيمتنع رجحان الفعل على الترك إلا عند حصول داعية جازمة في القلب فعند عدم حصول تلك الداعية يمتنع صدور تلك الرحمة منه وعند حصولها يجب صدور الرحمة منه فيكون الراحم في الحقيقة هو الذي خلق تلك الداعية في ذلك القلب وما ذاك إلا الله تعالى فيكون الراحم في الحقيقة هو الله تعالى الحجة الرابعة هب أن فلانا يعطي الحنطة ولكن ما لم تحصل المعدة الهاضمة للطعام لم يحصل الانتفاع بتلك الحنطة وهب أنه وهب البستان فما لم تحصل القوة الباصرة في العين لم يحصل الانتفاع بذلك البستان بل الحق أن خالق تلك الحنطة وذلك البستان هو الله تعالى والممكن من الانتفاع بهما هو الله والحافظ له عن أنواع الآفات والمخافات حتى يحصل الانتفاع بتلك الأشياء هو الله تعالى فوجب أن يقال المنعم والراحم في الحقيقة هو الله تعالى المقام الثاني في بيان أن بتقدير أن تحصل الرحمة من غير الله إلا أن رحمة الله أكمل وأعظم وبيانه من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت