فهرس الكتاب
الحرية والرق فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهدًا الذهاب إلى موضع أداء الشهادة ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة فلما دلّت الآية على أن كل من كان شاهدًا وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب فوجب أن لا يكون العبد شاهدًا وهذا الاستدلال حسن
وأما قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فقد بينا أن منهم من قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة وعلى هذا التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك
ثم قال تعالى فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول فليكن رجل وامرأتان والثاني فليشهد رجل وامرأتان والثالث فالشاهد رجل وامرأتان والرابع فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ذكرها علي بن عيسى رحمه الله
ثم قال مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء وهو كقوله تعالى في الطلاق وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ ( الطلاق 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحًا للشهادة والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرًا بالغًا مسلمًا عدلًا عالمًا بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ولا يكون معروفًا بكثرة الغلط ولا بترك المروأة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة
ثم قال أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاْخْرَى والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل
المسألة الأولى قرأ حمزة أَن تَضِلَّ بكسر إن فَتُذَكّرَ بالرفع والتشديد ومعناه الجزاء موضع تَضِلَّ جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف فَتُذَكّرَ رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ وأما سائر القراء فقرؤا بنصب ءانٍ وفيه وجهان أحدهما التقدير لأن تضل فحذف منه الخافض والثاني على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل
فإن قيل كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للاذكار لا الإضلال
قلنا هاهنا غرضان أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودًا ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها والله أعلم