فهرس الكتاب
والفائدة الثانية قوله أَقْوَمُ لِلشَّهَادَة ِ معنى أَقْوَمُ أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وذلك لأن المنتصب القائم ضد المنحني المعوج
فإن قيل مم بنى أفعل التفضيل أعني أقسط وأقوم
قلنا يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ويجوز أن يكون أقسط من قاسط وأقوم من قويم
واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة لأنها سبب للحفظ والذكر فكانت أقرب إلى الاستقامة والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى والثانية بتحصيل مصلحة الدنيا وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارًا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا
والفائدة الثالثة هي قوله وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين والفرق بين الوجهين الأولين وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة فالأول إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين والثاني إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان وهذا الذي قلت هل كان صدقًا أو كذبًا وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط وما أحسن ما فيها من الترتيب
ثم قال تعالى إِلا أَن تَكُونَ تِجَارَة ً حَاضِرَة ً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ وفيه مسائل
المسألة الأولى إِلا فيه وجهان أحدهما أنه استثناء متصل والثاني أنه منقطع أما الأول ففيه وجهان الأول أنه راجع إلى قوله تعالى إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد فلما أمر بالكتبة عند المداينة استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبًا والتقدير إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبًا وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني أن هذا استثناء من قوله وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعًا فالتقدير لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها فهذا يكون كلامًا مستأنفًا وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة لكثرة ما يجري بين الناس فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس لم يكن هناك خوف التجاحد فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد
المسألة الثانية قوله أَن تَكُونَ فيه قولان أحدهما أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَة ٍ والثاني قال الفرّاء إن شئت جعلت كَانَ ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة والخبر تديرونها والتقدير إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم
المسألة الثالثة قرأ عاصم تِجَارَة ً بالنصب والباقون بالرفع أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ولا بد فيه من إضمار الاسم وفيه وجوه أحدها التقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ومنه قول الشاعر