فهرس الكتاب
والثواب والعقاب على العبد فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم إلا أنه وارد عليه أيضًا في العلم على ما قررناه في مواضع عدة
وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله فهي معرفة أحكامه ويجب أن يعلم في أحكامه أمورًا أربعة أحدها أنها غير معللة بعلة أصلًا لأن كل ما كان معللًا بعلة كان صاحبه ناقصًا بذاته كاملًا بغيره وذلك على الحق سبحانه محال وثانيها أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق فإنه منزّه عن جلب المنافع ودفع المضار وثالثها أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد ورابعها أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله وأنه لا يقبح منه شيء ولا يجب عليه شيء لأن الكل ملكه وملكه والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي
وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله فمعرفة أسمائه قال في الأعراف وَللَّهِ الاسْمَاء الْحُسْنَى ( الأعراف 180 ) وقال في بني إسرائيل أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الاْسْمَاء الْحُسْنَى ( الإسراء 110 ) وقال في طه اللَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الاْسْمَاء الْحُسْنَى ( طه 8 ) وقال في آخر الحشر لَهُ الاْسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ( الحشر 24 ) والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزّلة على ألسنة أنبيائه المعصومين وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله
وأما الإيمان بالملائكة فهو من أربعة أوجه أولها الإيمان بوجودها والبحث عن أنها روحانية محضة أو جسمانية أو مركبة من القسمين وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية أو هوائية وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية
والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة العلم بأنهم معصومون مطهرون يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( النحل 50 ) لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ( الأنبياء 19 ) فإن لذتهم بذكر الله وأنسهم بعبادة الله وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته
والمرتبة الثالثة أنهم وسائط بين الله وبين البشر فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم كما قال سبحانه وَالصَّافَّاتِ صَفَّا فَالزجِراتِ زَجْرًا ( الصافات 1 2 ) وقال وَالذرِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ( الذاريات 1 2 ) وقال وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ( المرسلات 1 2 ) وقال وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ( النازعات 1 2 ) ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسرارًا مخفية إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها
والمرتبة الرابعة أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة قال الله تعالى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّة ٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( التكوير 19 20 21 ) فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم