فهرس الكتاب

الصفحة 1322 من 6606

الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات

وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما سلبية وإما ثبوتية

فأما السلبية فهي أن يعلم أنه فرد منزّه عن جميع جهات التركيب فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره فهو مركب فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته وكل ما ليس ممكنًا لذاته بل كان واجبًا لذاته امتنع أن يكون مركبًا بوجه من الوجوه بل كان فردًا مطلقًا وإذا كان فردًا في ذاته لزم أن لا يكون متحيزًا ولا جسمًا ولا جوهرًا ولا في مكان ولا حالًا ولا في محل ولا متغيرًا ولا محتاجًا بوجه من الوجوه ألبتة

وأما الصفات الثبوتية فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه فحينئذ يعرفه قادرًا عالمًا حيًا سميعًا بصيرًا موصوفًا منعوتًا بالجلال وصفات الكمال وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله اللَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ الْحَى ُّ الْقَيُّومُ ( البقرة 255 )

وأما الإيمان بأفعاله فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها

فإن قلت إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت وإن شئت أن لا أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري

فنقول قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك وسكونك بمشيئتك لسكونك فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن وعند حصول مشيئة الحركة لا بد وأن تتحرك

إذا ثبت هذا فنقول هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلًا أو يكون بمحدث ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى

إذا ثبت هذا فنقول لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به ولا حصول الفعل بعد المشيئة فالإنسان مضطر في صورة مختار فهذا كلام قاهر قوي وفي معارضته إشكالان أحدهما كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي والمدح والذم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت