فهرس الكتاب
المسألة الثالثة دلّت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله وإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلامًا متلوًا يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به وقد يكون وحيًا لا يعلمه سواه فيكون هو ( صلى الله عليه وسلم ) مختصًا بالإيمان به ولا يتمكن غيره من الإيمان به فلهذا السبب كان الرسول مختصًا في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره
ثم قال الله تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وفيه مسائل
المسألة الأولى إعلم أن هذه الآية دلّت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان
فالمرتبة الأولى هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعًا قادرًا على جميع المقدورات عالمًا بجميع المعلومات غنيًا عن كل الحاجات لا يمكن معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر
والمرتبة الثانية أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة فقال يُنَزّلُ الْمَلَائِكَة َ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ ( النحل 2 ) وقال وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِى َ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء ( الشورى 51 ) وقال فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ( البقرة 97 ) وقال نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاْمِينُ عَلَى قَلْبِكَ ( الشعراء 193 194 ) وقال عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( النجم 5 ) فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائك فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية ولهذا السر قال أيضًا شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ ( آل عمران 18 )
والمرتبة الثالثة الكتب وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة
والمرتبة الرابعة الرسل وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة وحكمًا عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف
المسألة الثانية المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله وبأحكامه وبأسمائه
أما الإيمان بوجوده فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودًا خالقًا لها وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرًا بوجود الإله تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئًا آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات