فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 6606

دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطانًا ضالًا مضلًا وذلك الملك أيضًا إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير وهذه المراتب معتبرة أولها قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها قيام المعجزة عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على أن ذلك الملك صادق في دعواه وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان وثالثها أن تقوم المعجزة على يد الرسولعند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولًا من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام قال الرَّسُولُ بِمَا فبيّن أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل ثم ذكر إيمان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك وهو المرتبة المتقدمة وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة فقال وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضًا معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور وليس الأمر في هذا الباب كما قيل والنجم تستصغر الأبصار رؤيته

والذنب للطرف لا للنجم في الصغر

ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته

المسألة الثانية قوله تعالى الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة وإنما عرف الرسول لأنه ( صلى الله عليه وسلم ) ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام

فأما قوله وَالْمُؤْمِنُونَ ففيه احتمالان أحدهما أن يتم الكلام عند قوله وَالْمُؤْمِنُونَ فيكون المعنى آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ والمعنى كل واحد من المذكورين فيما تقدم وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله

الاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ ثم يبتدىء من قوله وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمنًا بربه ثم صار مؤمنًا به ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه كما قال مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ ( الشورى 52 ) وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلًا منذ خلقه الله من أول الأمر وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال إني عبد الله آتاني الكتاب فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولًا من عند الله حين كان طفلًا فكيف يستبعد أن يقال إن محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) كان عارفًا بربه من أول ما خلق كامل العقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت