فهرس الكتاب

الصفحة 1326 من 6606

إذا عرفت هذا فنقول الأمر في هذه الآية أيضًا كذلك فقوله كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون

والوجه الثاني من النظم في هذه الآية أن للإنسان أيامًا ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر والبحث عنه يسمى بعلم الوسط والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الاْمْرُ كُلُّهُ ( هود 123 ) وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة لا جرم ذكرها في هذه الآية وقوله وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ إشارة إلى كمال العلم وقوله وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الاْمْرُ كُلُّهُ إشارة إلى كمال القدرة فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به فله أيضًا مرتبتان البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وذلك هو المسمى بالتوكل فذكر هذين المقامين فقال فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ( هود 123 ) وأما علم المعاد فهو قوله وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( الأنعام 132 ) أي فيومك غدًا سيصل فيه نتائج أعمالك إليك فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ونظيرها أيضًا قوله سبحانه وتعالى سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ الْعِزَّة ِ عَمَّا يَصِفُونَ ( الصافات 180 ) وهو إشارة إلى علم المبدأ ثم قال وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( الصافات 181 ) وهو إشارة إلى علم الوسط ثم قال وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ( الصافات 182 ) وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ( يونس 100 )

إذا عرفت هذا فنقول تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة فقوله الرَّسُولُ بِمَا إلى قوله لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ إشارة إلى معرفة المبدأ وقوله وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا إشارة إلى علم الوسط وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالمًا مشتغلًا بها ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا وقوله غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ إشارة إلى علم المعاد والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك وأنوار بهجة السماوات

الوجه الثالث في النظم أن المطالب قسمان أحدهما البحث عن حقائق الموجودات والثاني البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ والقسم الثاني هو المراد بقوله وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا

المسألة الثانية قال الواحدي رحمه الله قوله سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا أي سمعنا قوله وأطعنا أمره إلا أنه حذف المفعول لأن في الكلام دليلًا عليه من حيث مدحوا به

وأقول هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه ظاهرًا وتقديرًا أولى لأنك إذا جعلت التقدير سمعنا قوله وأطعنا أمره فإذن ههنا قول آخر غير قوله وأمر آخر يطاع سوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت