فهرس الكتاب

الصفحة 1327 من 6606

أمره فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى

المسألة الثالثة إعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون سمعنا وأطعنا فقوله سَمِعْنَا ليس المراد منه السماع الظاهر لأن ذلك لا يفيد المدح بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا أي عقلناه وعلمنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن قال الله تعالى إِنَّ فِى ذالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ( ق 37 ) والمعنى لمن سمع الذكرى بفهم حاضر وعكسه قوله تعالى كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا ( لقمان 7 ) ثم قال بعد ذلك وَأَطَعْنَا فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علمًا وعملًا

ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وفيه مسائل

المسألة الأولى في هذه الآية سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة

والجواب من وجوه الأول أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم فلما جوزوا ذلك قالوا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني روي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة ) فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيرًا فكان يستغفر الله منه فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضًا غير مستبعد والثالث أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلاهيته جنايات وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ولذلك قال وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ( الأنعام 91 ) وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية وإن كان عالمًا جدًا إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إله إِلائَ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ( محمد 19 ) فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير فكان يستغفر منها وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ( يونس 10 ) فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه

ثم إنه قال دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ( يونس 10 ) يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا

المسألة الثانية قوله غُفْرَانَكَ تقديره اغفر غفرانك ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت