فهرس الكتاب

الصفحة 1328 من 6606

سقيًا ورعيًا قال الفرّاء هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ومثله الصلاة الصلاة والأسد الأسد وهذا أولى من قول من قال نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ونظيره قولك حمدًا حمدًا وشكرًا شكرًا أي أحمد حمدًا وأشكر شكر

المسألة الثالثة أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما بالإضافة إليه وهو قوله غُفْرَانَكَ والثاني أردفه بقوله رَبَّنَا وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها أنت الكامل في هذه الصفة فأنت غافر الذنب وأنت غفور وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ( الكهف 58 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( البروج 14 ) وأنت الغفار اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ( نوح 10 ) يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب فهذه الغفارية كالحرفة له فقوله ههنا غُفْرَانَكَ يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة فقوله غُفْرَانَكَ طلب لغفران كامل وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته ويبدلها بالحسنات كما قال فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ( الفرقان 70 ) وثانيها روي في الحديث الصحيح ( إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءًا واحدًا منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فيها يتراحمون وادخر تسعة وتسعين جزءًا ليوم القيامة ) فأظن أن المراد من قوله غُفْرَانَكَ هو ذلك الغفران الكبير كان العبد يقول هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي وثالثها كأن العبد يقول كل صفة من صفات جلالك وإلاهيتك فإنما يظهر أثرها في محل معين فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك فكذا لولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لما ظهرت آثار غفرانك فقوله غُفْرَانَكَ معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المجرمين

وأما القيد الثاني وهو قوله رَبَّنَا ففيه فوائد أولها ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك وثانيها ربيتني حين كنت معدومًا ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به لأني كنت أبقى حينئذ في العدم وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد فأسألك أن لا تهملي وثالثها ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل ورابعها ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك

ثم قال الله تعالى وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ وفيه فائدتان إحداهما بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات وقادر على كل الممكنات لا بد وأن يقر بالمعاد والثانية بيان أن العبد متى علم أنه لا بد من المصير إليه والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذن الله كان إخلاصه في الطاعات أتم واحترازه عن السيئات أكمل وهاهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت