فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 6606

تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفًا بما لا يطاق والثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادرًا على الإيمان فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع

أما الأصحاب فقالوا دلّت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية

الحجة الأولى أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالمًا في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط فكان العلم بعدم الإيمان موجودًا والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع وهو أيضًا مقدم بينة بنفسها فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفًا بالجمع بين النقيضين وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم فهي أيضًا جارية في الجبر

الحجة الثانية أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداهي وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازمًا إنما قلنا إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي لأن قدرة العبد لما كانت صالح للفعل والترك فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع وإنما قلنا إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحًا والمرجوح ممتنع الوقوع وإذا كان المرجوح ممتنعًا كان الراجح واجبًا ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعًا وهو مكلف به فكان التكليف تكليف ما لا يطاق

الحجة الثالثة أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين أو حال رجحان أحدهما فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق لأن الاستواء يناقض الرجحان فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان فقد كلف بالجمع بين النقيضين وإن كان الثاني فالراجح واجب والمرجوح ممتنع وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع

الحجة الرابعة أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه وهو مما أخبر أنه لا يؤمن فقد صار أبو لهب مكلفًا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن وذلك تكليف ما لا يطاق

الحجة الخامسة العبد غير عالم بتفاصيل فعله لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان ويسكن في بعضها وأنه أين تحرك وأين سكن وإذا لم يكن عالمًا بتفاصيل فعله لم يكن موجدًا لها لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال فثبت أن العبد غير موجد فإذا لم يكن موجدًا كان تكليف ما لا يطاق لازمًا على ما ذكرتم فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب فعلمنا أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت