فهرس الكتاب
لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه الأول وهو الأصوب أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي والظاهر السمعي فإما أن يصدقهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين وإما أن يكذبهما وهو محال لأنه إبطال النقيضين وإما أن يكذب القاطع العقلي ويرجح الظاهر السمعي وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوّة والقرآن وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معًا فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية ويحمل الظاهر السمعي على التأويل وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبدًا في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلًا في الجملة سواء عرفناه أو لم نعرفه وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل
الوجه الثاني في الجواب هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب ومتى لم يفعل فإنه يعاقب فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكنًا كان ذلك أمرًا وتكليفًا في الحقيقة وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفًا بل كان إعلامًا بنزول العقاب به في الدار الآخرة وإشعارًا بأنه إنما خلق للنار
والجواب الثالث وهو أن الإنسان ما دام لم يمت وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك فنحن شاكون في قيام المانع فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائمًا في حقه فتبين أن شرط التكليف كان زائلًا عنه حال حياته وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر
الجواب الرابع أنا بينا أن قوله لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ليس قول الله تعالى بل هو قول المؤمنين فلا يكون حجة إلا أن هذا ضعيف وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا وأن يعفو عن خطايانا فإنا لا نطلب إلا الحق ولا نروم إلا الصدق
أما قوله تعالى لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ففيه مسائل
المسألة الأولى اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب قال الواحدي رحمه الله الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما قال ذو الرمة
ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب
والقرآن أيضًا ناطق بذلك قال الله تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة ٌ ( المدثر 38 ) وقال وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ( الأنعام 164 ) وقال بَلَى مَن كَسَبَ سَيّئَة ً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَة ً ( البقرة 81 ) وقال وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ ( الأحزاب 58 ) فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر ومن الناس من سلم الفرق ثم فيه قولان أحدهما أن الاكتساب أخص من الكسب لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه