فهرس الكتاب
خاصة يقال فلان كاسب لأهله ولا يقال مكتسب لأهله والثاني قال صاحب ( الكشاف ) إنما خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الاكتساب اعتمال فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم
المسألة الثانية المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها ألبتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق قال القاضي لو كان خالقًا أفعالهم فما الفائدة في التكليف وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب
المسألة الثالثة احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع فبيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر قال الجبائي ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة والجمع بينهما محال في العقول فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضًا محالًا
واعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالاْذَى ( القرة 264 ) فلا نعيده
المسألة الرابعة احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ووجه الاستدلال ظاهر فيه ونظيره قوله تعالى وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة ٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الأنعام 164 )
المسألة الخامسة الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار لأن اللام في قوله لَهَا مَا كَسَبَتْ يدل على ثبوت هذا الاختصاص وتأكد ذلك بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ( كل امرىء أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين ) وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه
منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله لَهَا مَا كَسَبَتْ والعارض الموجود إما الغضب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة
ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله لَهَا مَا كَسَبَتْ
ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله لَهَا مَا كَسَبَتْ والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر