فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 6606

واعلم أن الحوادث على قسمين منه ما يظن أنه رحمة مع أنه لا يكون كذلك بل يكون في الحقيقة عذابا ونقمة ومنه ما يظن في الظاهر أنه عذاب ونقمة مع أنه يكون في الحقيقة فضلا وإحسانا ورحمة أما القسم الأول فالوالد إذا أهمل ولده حتى يفعل ما يشاء ولا يؤدبه ولا يحمله على التعلم فهذا في الظاهر رحمة وفي الباطن نقمة وأما القسم الثاني كالوالد إذا حبس ولده في المكتب وحمله على التعلم فهذا في الظاهر نقمة وفي الحقيقة رحمة وكذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة فإذا قطعت تلك اليد فهذا في الظاهر عذاب وفي الباطن راحة ورحمة فالأبله يغتر بالظواهر والعاقل ينظر في السرائر إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذابا وألما في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في الحقيقة وتحقيقه ما قيل في الحكمة إن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم الإسراء 7 والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار كما قال تعالى ففروا إلى الله الذاريات 50 وأقرب مثال لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام فإن موسى كان يبني الحكم عن ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل وأما الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك الكهف 79 فظهر بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسرارا خفية وحكما بالغة وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله الرحمن الرحيم الفائدة الثانية الرحمن اسم خاص بالله والرحيم ينطلق عليه وعلى غيره فإن قيل فعلى هذا الرحمن أعظم فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى والجواب لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال جئتك لمهم يسير فقال اطلب للمهم اليسير رجلا يسيرا كأنه تعالى يقول لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة ولكن كما علمتني رحمانا تطلب مني الأمور العظيمة فأنا أيضا رحيم فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك كما قال تعالى لموسى

يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك الفائدة الثالثة وصف نفسه بكونه رحمانا رحيما ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال ورحمة منا وكان أمرا مقضيا مريم 21 فتلك الرحمة صارت سببا لنجاتها من توبيخ الكفار الفجار ثم إنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سببا لخلاص مريم عليها السلام عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت