فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 6606

المسألة الثالثة النقير نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة

فإن قيل كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لّلْعَبِيدِ ( فصلت 46 ) وقال وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لّلْعَالَمِينَ ( آل عمران 108 )

والجواب من وجهين الأول أن يكون الراجع في قوله وَلاَ يُظْلَمُونَ عائدًا إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعًا والثاني أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّة َ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأرض وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَى ْءٍ مُّحِيطًا

أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمنًا شرح الإيمان وبين فضله من وجهين أحدهما أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى والثاني وهو أنه الذين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام

أما الوجه الأول فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين الاعتقاد والعمل أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع والوجه أحسن أعضاء الإنسان فالإنسان إذا عرف بقلبه ربن وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله وأما العمل فإليه الإشارة بقوله وَهُوَ مُحْسِنٌ ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض وأيضًا فقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يفيد الحصر معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة وأيضًا ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم أنهم من أولاد الأنبياء والنصارى كانوا يقولون ثالث ثلاثة فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت