فهرس الكتاب

الصفحة 2026 من 6606

وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلًا من سعته وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعًا فقال وَاللَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ يعني من كان كذلك فإنه لا بدّ وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة الثاني أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجًا إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من العضف والقصور بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم

ثم قال تعالى وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وفيه مسائل

المسأالة الأولى المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل بل هو وصية الله في الأولين والآخرين

المسألة الثانية قوله مِن قَبْلِكُمْ فيه وجهان الأول أنه متعلق بوصينا يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب والثاني أنه متعلق بأوتوا يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك وقوله وَإِيَّاكُمْ بالعطف على الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية والمراد اليهود والنصارى

المسألة الثالثة قوله أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ كقولك أمرتك الخير قال الكسائي يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا ويقال ألم آمرك أن ائت زيدًا وأن تأتي زيدًا قال تعالى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ( الأنعام 14 ) وقال إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَة ِ ( النمل 91 )

ثم قال تعالى وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا قوله وَإِن تَكْفُرُواْ عطف على قوله اتَّقُواْ اللَّهَ والمعنى أمرناهم وأمرناكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وفيه وجهان الأول أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحق كل عاقل أن يكون منقادًا لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه والثاني أنكم إن تكفروا فإن لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه وكان مع ذلك غنيًا عن خلقهم وعن عبادتهم ومستحقًا لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه

ثم قال تعالى وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

فإن قيل ما الفائدة في تكرير قوله وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ

قلنا إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور فأولها أنه تعالى قال وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ ( النساء 130 ) والمراد منه كونه تعالى جوادًا متفضلًا فذكر عقيبه قوله وَاللَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم وثانيها قال وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ والمراد منه أنه تعالى منزّه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين فلا يزذاذ جلاله بالطاعات ولا ينقص بالمعاصي والسيئات فذكر عقيبه قوله فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت