فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 6606

والغرض منه تقرير كونه غنيًا لذاته عن الكل وثالثها قال وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذالِكَ قَدِيرًا والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية وعلى أن يوجد قومًا آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه فالغرض ههنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادرًا على جميع المقدورات وإذا كان الدليل الواحد دليلًا على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني ثم يذكره ثالثًا ليستدل به على المدلول الثالث وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال وأيضًا فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذٍ لكون تخليق السموات والأرض دالًا على أسرار شريفة ومطالب جليلة فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده لا جرم كان في غاية الحسن والكمال وقوله وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذالِكَ قَدِيرًا معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بالقدرة على جميع المقدورات فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل

ثم قال تعالى مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالاْخِرَة ِ والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون وذلك لأن عند الله ثواب الدنيا والآخرة فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان كالعدم بالنسبة إلى ثواب الآخرة ولو كان عاقلًا لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع

فإن قيل كيف دخل الفاء في جوب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل

قلنا تقرير الكلام فعند الله ثواب الدينا والآخرة له إن أراده الله تعالى وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط

ثم قال وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه إلا عند توقع الفوز بالغنيمة وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالاٌّ قْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت