فهرس الكتاب
الضرر عن الغير الثالث أن القيام بالقسط فعل والشهادة قول والفعل أقوى من القول
فإن قيل ءنه تعالى قال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَة ُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ ( آل عمران 18 ) فقدم الشهادة على القيام بالقسط وههنا قدم القيام بالقسط فما الفرق
قلنا شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقًا للمخلوقات وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعيًا للعدل ومياينًا للجور ومعلوم أنه ما لم يكون الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة فثبت أن الواجب في قوله شَهِدَ اللَّهُ أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب ههنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد الإلهي والله أعلم
ثم قال تعالى إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا أي إن يكن المشهود عليه غنيًا أو فقيرًا فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير فالله أولى بأمورهما ومصالحهما وكان من حق الكلام أن يقال فالله أولى به لأن قوله إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ أي الله أولى بالفقير والغني وفي قراءة أبي فالله أولى بهم وهو راجع إلى قوله أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالاْقْرَبِينَ وقرأ عبد الله إن يكن غني أو فقير على ( كان ) التامة
ثم قال تعالى فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفيه بصفة العدل وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر فتقدير الآية فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا
ثم قال تعالى وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور وَإِن تَلْوُواْ بواوين وقرأ ابن عامر وحمزة تلوا وأما قراءة تلووا ففيه وجهان أحدهما أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم لواه حقه إذا مطله ودفعه الثاني أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشيء إذا فتله ومنه يقال التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهًا بالشيء المنفتل وأما تلوا ففيه وجهان الأول أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيرًا فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته والحاصل إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها والثاني قال الفرّاء والزجاج يجوز أن يقال تلوا أصله تلووا ثم قبلت الواو همزة ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار وَإِن تَلْوُواْ وهذا أضعف الوجهين وأما قوله فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرًا فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنَزلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الاٌّ خِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا