فهرس الكتاب
القصة قد فسرناها في سورة البقرة واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك
ثم قال تعالى ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين والمراد بالبينات من قوله مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ أمور أحدها أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات فإن الصاعقة وإن كانت شيئًا واحدًا إلاّ أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفًا للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوّة وثانيها أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة وإحياؤهم بعد ما أماتهم وثالثها أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عنادًا ولجاجًا فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل وكل لذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق
ثم قال فَعَفَوْنَا عَن ذالِكَ يعني لم نستأصل عبدة العجل يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه وفيه بشارة للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على سبيل التنبيه والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم فأحدها أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم وفيه وجوه الأول أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق الثاني أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا وصار المعنى ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين الثالث أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وثانيها قوله وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا ومضى بيانه في سورة البقرة وثالثها قوله وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَاقًا غَلِيظًا وفيه مسائل
المسألة الأولى لاَ تَعْدُواْ فِى السَّبْتِ فيه وجهان الأول لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان أي ظلمه وجاوز الحد ومنه قوله فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا ( الأنعام 108 ) الثاني لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قال لهم اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق
المسألة الثانية قرأ نافع لاَ تَعْدُواْ ساكنة العين مشددة الدال وأراد لا تعتدوا وحجته قوله وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ ( البقرة 65 ) فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا