فهرس الكتاب
وأعلم أنه انتصب قوله رُسُلًا بمضمر يفسره قوله قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل
ثم قال وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوّة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ وَكَلَّمَ اللَّهُ بالنصب وقال بعضهم وكلم الله معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل
ثم قال تعالى رُّسُلًا مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّة ٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وفيه مسائل
المسألة الأولى في انتصاب قوله رُسُلًا وجوه الأول قال صاحب ( الكشاف ) الأوجه أن ينتصب على المدح والثاني أنه انتصب على البدل من قوله وَرُسُلًا الثالث أن يكون التقدير أوحينا إليهم رسلًا فيكون منصوبًا على الحال والله أعلم
المسألة الثانية أعلم أن هذا الكلام أيضًا جواب عن شبهة اليهود وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتمّ المطلوب وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوباف في الألواح أو لم يكن وبأن يكون نازلًا دفعة واحدة أو منجمًا مفرقًا بل لو قيل إن إنزال الكتاب منجمًا مفرقًا أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف أما إذا نزل الكتاب منجمًا مفرقًا لم يكن كذلك بل ينزل التكاليف شيئًا فشيئًا وجزءًا فجزءًا فحينئذٍ يحصل الانقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا لجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحًا فاسدًا وهذا أيضًا جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن ثم ختم الآية بقوله وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار وللجاج والله أعلم
المسألة الثالثة احتج أصحابنا بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى لا يثبت إلا بالسمع قالوا لأن قوله لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّة ٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يدل على أن قبل البعثة يكون للناس حجة في ترك الطاعات والعبادات ونظيره قوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( الإسرار 15 ) وقوله وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى ( طه 134 )