فهرس الكتاب
المسألة الثانية قال أصحابنا دلت الآية على أن لله تعالى علمًا وذلك لأنها تدل على إثبات علم الله تعالى ولو كان علمه نفس ذاته لزم إضافة الشيء إلى نفسه وهو محال
ثم قال وَالْمَلَئِكَة ُ يَشْهَدُونَ وإنما تعرف شهادة الملائكة له بذلك لأن ظهور المعجز على يده يدل على أنه تعالى شهد به بالنبوة وإذا شهد الله له بذلك فقد شهدت الملائكة لا محالة بذلك لما ثبت في القرآن أنهم لا يسبقونه بالقول والمقصود كأنه قيل يا محمد إن كذبك هؤلاء اليهود فلا تبال بهم فإن الله تعالى وهو إله العالمين يصدقك في ذلك وملائكة السموات السبع يصدقونك في ذلك ومن صدقه ربّ العالمين وملائكة العرش والكرسي والسموات السبع أجمعون لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس وهم هؤلاء اليهود
ثم قال تعالى وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا والمعنى وكفى الله شهيدًا وقد سبق الكلام في مثل هذا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاَ بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم والمراد أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم لو كان رسولًا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى وقولهم إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة وقولهم إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود وقوله قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاَ بَعِيدًا وذلك لأن أشد الناس ضلالًا من كان ضالًا ويعتقد في نفسه أنه محق ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه ثم إنه يبل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات فلهذا قال تعالى في حقهم قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاَ بَعِيدًا ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ محمدًا بكتمان ذكر بعثته وصلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم لَّمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ
وأعلم أنا إن حملنا قوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة ثم قال وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ
ثم قال تعالى خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا انتصب خالدين على الحال والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه