فهرس الكتاب

الصفحة 2149 من 6606

الحرز أو من غير الحرز

إذا ثبت هذا فنقول لو ذهبنا إلى التخصيص لكان ذلك إما بخبر الواحد أو بالقياس وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس غير جائز وحجة جمهور الفقهاء أنه لا حاجة بنا إلى القول بالتخصيص بل نقول إن لفظ السرقة لفظة عربية ونحن بالضرورة نعلم أن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة من حنطة الغير أو تبنة واحدة أو كسرة صغيرة من خبز إنه سرق ماله فعلمنا أن أخذ مال الغير كيفما كان لا يسمى سرقة وأيضًا السرقة مشتقة من مسارقة عين المالك وإنما يحتاج إلى مسارقة عين المالك لو كان المسروق أمرًا يكون متعلق الرغبة في محل الشح والضنة حتى يرغب السارق في أخذه ويتضايق المسروق منه في دفعه إلى الغير ولهذا الطريق اعتبرنا في وجوب القطع أخذ المال من حرز المثل لأن ما لا يكون موضوعًا في الحرز لا يحتاج في أخذه إلى مسارقة الأعين فلا يسمى أخذه سرقة وقال داود نحن لا نوجب القطع في سرقة الحبة الواحدة ولا في سرقة التبنة الواحدة بل في أقل شيء يجري فيه الشح والضنة وذلك مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة فربما استحقر الملك الكبير لآلافًا مؤلفة وربما استعظم الفقير طسوجًا ولهذا قال الشافعي رحمه الله لو قال لفلان على مال عظيم ثم فسر بالحبة يقبل قوله فيه لاحتمال أنه كان عظيمًا عنده لغاية فقره وشدة احتياجه إليه ولما كانت مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة وجب بناء الحكم على أقل ما يسمى مالًا وليس لقائل أن يستبعد ويقول كيد يجوز قطع اليد في سرقة الطسوجة الواحدة لأن الملحدة قد جعلوا هذا طعنًا في الشريعة فقالوا اليد لما كانت قيمتها خمسمائة دينار من الذهب فكيف تقطع لأجل القليل من المال ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة بهذه العقوبة العظيمة وإذا كان هذا الجواب مقبولًا من الكل فليكن أيضًا مقبولًا منا في إيجاب القطع في القليل والكثير قال ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيص عموم القرآن ههنا بخبر الواحد وذلك لأن القائلين بتخصيص هذا العموم اختلفوا على وجوه فقال الشافعي رحمه لله يجب القطع في ربع دينار وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام ( لا قطع إلا ربع دينار ) وقال أو حنيفة رحمه الله لا يجوز القطع إلا في عشرة دراهم مضروبة وروي فيه قوله عليه الصلاة والسلام ( لا قطع إلا في ثمن المجن ) والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم وقال مالك وأحمد وإسحاق إنه مقدر بثلاثة دراهم أو ربع دينار وقال ابن أبي ليلى مقدر بخمسة دراهم وكل واحد من هؤلاء المجتهدين يطعن في الخبر الذي يرويه الآخر وعلى هذا التقدير فهذه المخصصات صارت متعارضة فوجب أن لا يلتفت إلى شيء منها ويرجع في معرفة حكم الله تعالى إلى ظاهر القرآن قال وليس لأحد أن يقول إن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أنه لا يجب القطع إلا في مقدار معين قال لأن الحسن البصري كان يوجب القطع بمطلق السرقة وكان يقول احذر من قطع يدك بدرهم ولو كان الاجماع منعقدًا لما خالف الحسن البصري فيه مع قربه من زمان الصحابة وشدة احتياطه فيما يتعلق بالدين فهذا تقرير مذهب الحسن البصري وداود الأصفهاني

وأما الفقهاء فإنهم اتفقوا على أنه لا بدّ في وجوب القطع من القدر ثم قال الشافعي رحمه الله القطع في ربع دينار فصاعدًا وهو نصاب السرقة وسائر الأشياء تقوم به وقال أبو حنيفة والثوري لا يجب القطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت