فهرس الكتاب
المسألة الأولى حفظ كتاب الله على وجهين الأول أن يحفظ فلا ينسى الثاني أن يحفظ فلا يضيع وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين أحدهما أن يحفظون في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه
المسألة الثانية الباء في قوله بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ فيه وجهان الأول أن يكون صلة الأحبار على معنى العلماء بما استحفظوا الثاني أن يكون المعنى يحكمون بما استحفظوا وهو قول الزجاج
ثم قال تعالى وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق ومن عند الله فلا جرم كانوا يمضون أحكام التوراة ويحفظونها عن التحريف والتغيير
ثم قال تعالى فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِى
واعلم أنه تعالى لما قرر أن النبيين والربانيين والأحبار كانوا قائمين بإمضاء أحكام التوراة من غير مبالاة خاطب اليهود الذين كانوا في عصر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومنعهم من التحريف والتغيير
واعلم أن إقدام القوم على التحريف لا بدّ وأن يكون لخوف ورهبة أو لطمع ورغبة ولما كان الخوف أقوى تأثيرًا من الطمع قدم تعالى ذكره فقال فَلاَ تَخْشَوُاْ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ والمعنى إياكم وأن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم فلا تكونوا خائفين من الناس بل كونوا خائفين مني ومن عقابي
ولما ذكر أمر الرهبة ابتعه بأمر الرغبة فقال وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا أي كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف والرهبة فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه وأخذ الرشوة فإن كل متاع الدنيا قليل والرشوة التي تأخذونها منهم في غاية القلة والرشوة لكونها سحتًا تكون قليلة البركة والبقاء والمنفعة فكذلك المال الذي تكتسبونه قليل من قليل ثم أنتم تضيعون بسببه الدين والثواب المؤبد والسعادات التي لا نهاية لها
ويحتمل أيضًا أن يكون إقدامهم على التحريف والتبديل لمجموع الأمرين للخوف من الرؤساء ولأخذ الرشوة من العامة ولما منعهم الله من الأمرين على ما في كل واحد منهما من الدناءة والسقوط كان ذلك برهانًا قاطعًا في المنع من التحريف والتبديل