فهرس الكتاب

الصفحة 2163 من 6606

ثم إنه أتبع هذا البرهان الباهر بالوعيد الشديد فقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وفليه مسألتان

المسألة الأولى المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في ءقدامهم على تحريف حكم الله تعالى في حد الزاني المحصن يعني أنهم لما أنكروا حكم الله المنصوص عليه في التوراة وقالوا إنه غير واجب فهم كافرون على الاطلاق لا يستحقون اسم الإيمان لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن

المسألة الثانية قالت الخوارج كل من عصى الله فهو كافر وقال جمهور الأئمة ليس الأمر كذلك أما الخوارج فقد احتجوا بهذه الآية وقالوا إنها نص في أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر وكل من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل الله فوجب أن يكون كافرًا

وذكر المتكلمون والمفسرون أجوبة عن هذه الشبهة الأول أن هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم وهذا ضعيف لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومنهم من حاول دفع هذا السؤال فقال المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الذين سبق ذكرهم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وهذا أيضًا ضعيف لأن قوله وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ كلام أدخل فيه كلمة مِنْ في معرض الشرط فيكون للعموم وقول من يقول المراد ومن لم يحكم بما أنزل الله من الذين سبق ذكرهم فهو زيادة في النص وذلك غير جائز الثاني قال عطاء هو كفر دون كفر وقال طاوس ليس بكفر ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر فكأنهم حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين وهو أيضًا ضعيف لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين والثالث قال ابن الأنباري يجوز أن يكون المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضالهي أفعال الكفار ويشبه من أجل ذلك الكافرين وهذا ضعيف أيضًا لأنه عدولل عن الظاهر والرابع قال عبد العزيز بن يحيى الكناني قوله بِمَا أنزَلَ اللَّهُ صيغة عموم فقوله وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ معناه من أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وهذا حق لأن الكافر هو الذي أتى بضد حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله أما الفاسق فإنه لم يأت بضد حكم الله إلاّ في القليل وهو العمل أما في الاعتقاد والاقرار فهو موافق وهذا أيضًا ضعيف لأنه لو كانت هذه الآية وعيدًا مخصوصًا بمن خالف حكم الله تعالى في كل ما أنزل الله تعالى لم يتناول هذا الوعيد اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في الرجم وأجمع المفسرون على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم فيدل على سقوط هذا الجواب والخامس قال عكرمة قوله وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله تعالى ولكنه تارك له فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية وهذا هو الجواب الصحيح والله أعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت