فهرس الكتاب

الصفحة 2192 من 6606

المسألة الأولى في هذا الموضع إشكال وهو أن الله تعالى حكى عن اليهود أنهم قالوا ذلك ولا شك في أن الله تعالى صادق في كل ما أخبر عنه ونرى اليهود مطبقين متفقين على أنا لا نقول ذلك ولا نعتقده البتة وأيضًا المذهب الذي يحكى عن العقلاء لا بدّ وأن يكون معلوم البطلان بضرورة العقل والقول بأن يد الله مغلولة قول باطل ببديهة العقل لأن قولنا ( الله ) اسم لموجود قديم وقادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته مقيدة وقاصرة وإلا فكيف يمكنه مع اللقدرة الناقصة حفظ العالم وتدبيره

إذا ثبت هذا فنقول حصل الاشكال الشديد في كيفية تصحيح هذا النقل وهذه الرواية فنقول عندنا فيه وجوه الأول لعلّ القوم إنما قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قاوله تعالى مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ( البقرة 245 ) قالوا لو احتاج إلى القرض لكان فقيرًا عاجزًا فلما حكموا بأن الإل ه الذي يستقرض شيئًا من عباده فقير مغلول اليدين لا جرم حكى الله عنهم هذا الكلام الثاني لعلّ القوم لما رأوا أصحاب الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غاية الشدة والفقر والحاجة قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء إن إل ه محمد فقير مغلول اليد فلما قالوا ذلك حكى الله عنهم هذا الكلام الثالث قال المفسرون اليهود كانوا أكثر الناس مالًا وثروة فلما بعث الله محمدًا وكذبوا به ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالت اليهود يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة الصفة بالبخل والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة والمحنة يقول مثل هذه الألفاظ الرابع لعلّه كان فيهم من كان على مذهب الفلسفة وهو أنه تعالى مموجب لذاته وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نهج واحد وسنن واحد وأنهه تعالى غير قادر على إحداث الحوادث على غير الوجوه التي عليها تقع فعبروا عن عدم الاقتدار على التغيير والتبديل بغل اليد الخامس قال بعضهم المراد هو قول اليهود إن الله لا يعذبنا إلا بقدر الأيام التي عبدنا العجل فيها إلا أنهم عبروا عن كونه تعالى غير معذب لهم إلا في هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة واستوجبوا اللعن بسبب فساد العبارة وعدم رعاية الأدب وهذا قول الحسن فثبت أن هذه الحكاية صحيحة على كل هذه الوجوه والله أعلم

المسألة الثانية غل اليد وبسطها مجاز مشهور عن البخل والجود ومنه قوله تعالى وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَة ً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ( الإسراء 29 ) قالوا والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لدفع المال ولإنفاقه فأطلقوا اسم السبب على المسبب وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد وبسط البنان تره الأنامل ويقال للبخيل كز الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل

فإن قيل فلما كان قوله يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة ٌ المراد منه البخل وجب أن يكون قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ المراد منه أيضًا البخل لتصح المطابقة والبخل من الصفات المذمومة التي نهى الله تعالى عنها فكيف يجوز أن يدعو عليهم بذلك

قلنا قوله يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَة ٌ عبارة عن عدم المكنة من البذل والإعطاء ثم إن عدم المكنة من الاعطاء تارة يكون لأجلل البخل وتارة يكون لأجل الفقر وتارة يكون لأجل العجز فكذلك قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت