فهرس الكتاب
عليهم بعدم القدرة والمكنة سواء حصل ذلك بسبب العجز أو الفقر أو البخل وعلى هذا التقدير فإنه يزول الاشكال
المسألة الثالثة قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ فيه وجهان الأول أنه دعاء عليهم والمعنى أنه تعالى يعلمنا أن ندعو عليهم بهذا الدعاء كما علمنا الاسثناء في قوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ ءامِنِينَ ( الفتح 27 ) وكما علمنا الدعاء عللى المنافقين في قوله فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ( البقرة 10 ) وعلى أبي لهب في قوله تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ( المسد 1 ) الثاني أنه إخبار قال الحسن غلت أيديهم في نار جهنم على الحقيقة أي شدت إلى أعناقهم جزاءً لهم على هذا القول
فإن قيل فإذا كان هذا الغل إنما حكم به جزاءً لهم على هذا القول فكان ينبغي أن يقال فغلت أيديهم
قلنا حذف العطف وإن كان مضمرًا إلا أنه حذف لفائدة وهي أنه لما حذف كان قوله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ كالكلام المبتدأ به وكون الكلام مبتدأ به يزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره ونظير هذا الموضع في حذف فاء التعقيب قوله تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَة ً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ( البقرة 67 ) ولم يقل فقالوا أتتخذنا هزوًا وأما قوله وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ قال الحسن عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار
ثم قال تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
واعلم أن الكلام في هذه الآية من المهمات فإن الآيات الكثيرة من القرآن ناطقة بإثبات اليد فتارة المذكور هو اليد من غير بيان العدد قال تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ( الفتح 10 ) وتارة بإثبات اليدين لله تعالى منها هذه الآية ومنها قوله تعالى لإبليس الملعون مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَى َّ ( ص 75 ) وتارة بإثبات الأيدي قال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعامًا ( ي س 71 )
إذا عرفت هذا فنقول اختلفت الأمة في تفسير يد الله تعالى فقالت المجسمة إنها عضو جسماني كما في حق كل أحد واحتجوا عليه بقوله تعالى لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ( الأعراف 195 ) وجه الاستدلال أنه تعالى قدح في إل هية الأصنام لأجل أنها ليس لها شيء من هذه الأعضاء فلو لم تحصل لله هذه الأعضاء لزم القدح في كونه إل هًا ولما بطل ذلك وجب إثبات هذه الأعضاء له قالوا وأيضًا اسم اليد موضوع لهذا العضو فحمله على شيء آخر ترك للغة وإنه لا يجوز
واعلم أن الكلام في إبطال هذا القول مبني على أنه تعالى ليس بجسم والدليل عليه أن الجسم لا ينفك عن الحركة والسكون وهما محدثان وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث ولأن كل جسم فهو متناه في المقدار وكل ما كان متناهيًا في المقدار فهو محدث ولأن كل جسم فهو مؤلف من الأجزاء وكل ما كان كذلك كان قابلًا للتركيب والانحلال وكل ما كان كذلك افتقر إلى ما يركّبه ويؤلفه وكل ما كان كذلك فهو محدث فثبت بهذه الوجوه أنه يمتنع كونه تعالى جسمًا فيمتنع أن تكون يده عضوًا جسمانيًا