فهرس الكتاب

الصفحة 2217 من 6606

مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها والثاني وهو أن حاصل ما كذرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية وهذا ملسم لكن في حق النفوس الضعيفة أما النفوس المتسعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال لحسية مانعًا لها من الاستكمال بالسعادات العقلية فإنا نشاهد النفوس قد تكنن ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلًا على نوع من الضعف والقصور وإنما الكمال في الوفاء بلجهتين والاستكمال في الناس الثالث وهو أن من استوفى اللذات الحسية كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن ريضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن للذات الحسية لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية فكان الكمال في هذا أتم الربع وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة فكانت هذه الحالة أكمل فهذا جملة الكلام في هذا الوجه

القول الثاني في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال وهو أنه تعالى قال في أول السورة أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ فبيّن أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ ( المائدة 1 )

المسألة الثانية قوله لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يحتمل وجوهًا أحدها لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم وثانيها لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم وثالثها لا تجتنبوا عنها اجتنابًا شبيه لاجتناب من المحرمات فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل ورابعها لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين ونظير هذه الآية قوله تعالى عِلْمَا ياأَيُّهَا النَّبِى ُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ( التحريم 1 ) وسادسها أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطًا لا يمكنه التمييز وحينئذٍ يحرم الكل فذلك الخلط سبب لتحريم ما كن حلالًا له وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر والآية محتملة لكل هذه الوجوه ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم

المسألة الثالثة قوله وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( البقرة 190 ) فيه وجوه الأول أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداءً وظلمًا فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها والثاني أنه لما أباح الطيبات حرم الإسراف فيها بقوله تعالى وَلاَ تَعْتَدُواْ ونظيره قوله تعالى كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ ( الأعراف 31 ) الثالث يعني لما أحل لكم الطيبت فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم

ثم قال تعالى

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت