فهرس الكتاب
واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير فإن عجز عنها جميعًا فالواجب شيء آخر وهو الصوم
وفي الآية مسائل
المسألة الأولى معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ولا يجوز له تركها جميعًا ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ومن الفقهاء من قال الواحد لا بعينه وهذا الكلام يحتمل وجهين الأول أن يقال الواجب عليه يأن يدخل في الوجود واحدًا من هذه الثلاثة لا بعينه وهذامحال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معينًا في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف الثاني أن يقال الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى إلا أنه مجهول العين عند الفاعل وذلك أيضًا محال لأن كون ذلك الشيء واجبًا بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه
المسألة الثانية قال الشافعي رحمه الله نصيب كل مسكين مد وهو ثلثا من وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم وقال أبو حنيفة رحمه الله الواجب نصف صاع من الحنطة وصاع من غير الحنطة
حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام قوله مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطًا في العرف أو ما كان متوسطًا في الشرع فإن كان المراد ما كان متوسطًا في العرف فثلثا من الحنطة إذاجعل دقيقًا أو جعل خبزًا فإنه يصير قريبًا من المن وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهرًا وإن كان المراد ما كان متوسطًا في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أمره بإطعام ستين مسكينًا من غير ذكر مقدار فقال الرجل ما أجد فأتي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أطعم هذا وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مد ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان قدرها معتبرًا بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد
وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي فأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله مد معه إدامه والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب
أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جدًا يكفيه الرغيف الواحد وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالبًا كالسكر ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب