فهرس الكتاب
قلنا ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدًا لأحوالهم في الايمان والتقوى والاحسان ومثاله أن يقال لك هل على زيد فيما فعل جناح وقد علمت أن ذلك الأمر مباح فتقول ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنًا محسنًا تريد أن زيدًا إن بقي مؤمنًا محسنًا فإنه غير مؤاخذ بما فعل
ثم قال تعالى وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ والمعنى أنه تعالى لما جعل الاحسان شرطًا في نفي الجناح بيَّن أن تأثير الإحسان ليس في نفي الجناح فقط بل وفي أن يحبه الله ولا شك أن هذه الدرجة أشرف الدرجات وأعلى المقامات وقد تقدم تفسير محبة الله تعالى لعباده
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَى ْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قوله تعالى الْمُحْسِنِينَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَى ْء مّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ
اعلم أن هذا نوع آخر من الأحكام ووجه النظم أنه تعالى كما قال لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ( المائدة 87 ) ثم استثنى الخمر والميسر عن ذلك فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحلالات وبين دخوله في المحرمات
وهاهنا مسائل
المسألة الأولى اللام في قوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ لام القسم لأن اللام والنون قد يكونان جوابًا للقسم وإذا ترك القسم جيء بهما دليلًا على القسم
المسألة الثانية الواو في قوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ مفتوحة لالتقاء الساكنين
المسألة الثالثة ليبلونكم أي ليختبرن طاعتكم من ممعصيتكم أي ليعاملنكم معاملة المختبر
المسألة الرابعة قال مقاتل بن حيّان ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط فنهاهم الله عنها ابتلاءً قال الواحدي الذي تناله الأيدي من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش والذي تناله الرماح الكبار وقال بلعضهم هذا غير جائز لأن الصيد اسم للمتوحش الممتنع دون ما لم يمتنع
المسألة الخامسة معنى التقليل والتصغير في قوله بِشَى ْء مّنَ الصَّيْدِ أن يعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي كون التكليف فيها صعبًا شاقًا كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال وإنما هو ابتلاء سهل فإن الله تعالى امتحن أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بصيد البركما امتحن بني إسرائيل بصيد البحر وهو صيد السمك