فهرس الكتاب
ثم قال تعالى وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّدًا فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وفيه مسائل
المسألة الأولى قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين ومثل بالرفع والمعنى فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله فَجَزَاء قال ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة إنما عليه جزاء الملقتول لا جزاء مثلل المقتول الذي لم يقتله وقوله تعالى مِنَ النَّعَمِ يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي جزاء والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل وأما سائر القراء فهم قرؤا فَجَزَاء مّثْلُ على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا إنه وإن كان الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم يقولون أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك ونظيره قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى ْء ( الشورى 11 ) والتقدير ليس هو كشيء وقال أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ( الأنعام 122 ) والتقدير كمن هو في الظلمات وفيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي خاتم من فضة
المسألة الثانية قال سعيد بن جبير المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء وهو قول داود وقال جمهور الفقهاء يلزمه الضمان سواء قتل عمدًا أو خطأ حجة داود أن قوله تعالى وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّدًا مذكور في معرض الشرط وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية قال والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر الآية وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله وَمَنْ عَادَ المراد منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ( المائدة 96 ) ولما كان ذلك حرامالً بالاحرام صار فعله محظورًا بالاحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ أو عمدًا فكذا هاهنا وأيضًا يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم وقول الصحابة في الظبي شاة وليس فيه ذكر العمد
أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس
المسألة الثالثة ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول إلا أنهم اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن الصيد ضربان منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فما له مثل يضمن بمثله من النعم وما لا مثل له يضمن بالقيمة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف المثل الواجب هو القيمة
وحجة الشافعي القرآن والخبر والإجماع والقياس أما القرآن فقوله تعالى وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّدًا فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ والاستدلال به من وجوه أربعة الأول أن جماعة من القراء قرؤا فَجَزَاء بالتنوين ومعناه فجزاء من النعم مماثل لما قتل فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص وثانيها أن قومًا آخرين قرؤا فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ بالإضافة والتقدير فجزاء ما قتل من النعم أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم فمن لم يوجبه فقد خالف النص ثالثها قراءة ابن مسعود فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وذلك صريح فيما قلناه ورابعها أن قوله تعالى يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَة ِ صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم يجب أن يكون هديًا بالغ الكعبة