فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 6606

عالمًا بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببًا لحصول الأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان وفي ذلك الزمان وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالمًا فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح وكل من كان كذلك كان عالمًا ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببًا لحصول الأمن في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمنة ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة فعل في غاية الاتقان والاحكام فيكون ذلك دليلًا قاهرًا وبرهانًا باهرًا على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات فلا جرم قال ذلك لّتَعْلَمُواْ أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن فتعلموا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ ثم إذا عرفتم ذلك عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود وما كان كذلك امتنع أن يكون مخصوصًا بالبعض دون البعض فوجب كونه متعلقًا بجميع المعلومات وإذا كان كذلك كان الله سبحانه عالمًا بجميع المعلومات فلذلك قال وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَى ْء عَلِيمٌ فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده ذكر بعده أنه شديد العقاب لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام ( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه غفورًا رحيمًا وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه غفورًا رحيمًا وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة ثم قال تعالى

مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( المائدة 98 ) أتبعه بالتكليف بقوله مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ يعني أنه كان مكلفًا بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت