فهرس الكتاب

الصفحة 2241 من 6606

واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني وءما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع فلما كانت الكعبة سببًا لحصول هذه الأقسام الأربعة وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس

المسألة الخامسة المراد بقوله قِيَامًا لّلنَّاسِ أي لبعض الناس وهم العرب وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم

المسألة السادسة اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببًا لقيام الناس وقوامهم الأول الكعبة وقد بيثنا معنى كونها سببًا لقيام الناس وأما الثاني فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببًا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضًا في سائر الأشهر ويغير بعضهم على بعض فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببًا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضًا فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج

واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبّر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس وأما الثالث فهو الهدي وهو إنما كان سببًا لقيام الناس لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكًا للمهدي وقوامًا لمعيشة الفقراء وأما الرابع فهو القلائد والوجه في كونها قيامًا للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ومن قصده من غير الشهر الحرلاام ومعه هدي وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدًا ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ولم يتعرض لها صاحبها أيضًا وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنًا من جميع الآفات والمخافات فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببًا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام فكان ذلك دليلًا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه

ثم قال تعالى ذالِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلّ شَى ْء عَلِيمٌ

والمعنى أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية دبر في ذلك تدبيرًا لطيفًا وهو يأنه ألقى في قلوبهم اعتقادًا قويًا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه فصار ذلك سببًا لحصول الأمن في البلد الحرام وفي الشهر الحرام فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان وفي هذا المكان فاستقامت مصالح معاشهم ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت