فهرس الكتاب

الصفحة 2496 من 6606

المسألة الرابعة قال الزجاج إنما جعل المجرمين أكابر لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر والكذب والغيبة والنميمة والإيمان الكاذبة ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه لكفى ذلك دليلًا على خساسة المال والجاه

ثم قال تعالى وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ قالت المعتزلة لا شك أن قوله وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ مذكور في معرض التهديد والزجر فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ويخلق فيهم المكر ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارًا

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَة ٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِى َ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ

اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) قالوا لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله وهذا يدل على نهاية حسدهم وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل بل لنهاية الحسد قال المفسرون قال الوليد بن المغيرة والله لو كانت النبوة حقًا لكنت أنا أحق بها من محمد فإني أكثر منه مالًا وولدًا فنزلت هذه الآية وقال الضحاك أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىء مّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفًا مُّنَشَّرَة ً فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضًا لأنه تعالى قال وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَة ٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِى َ رُسُلُ اللَّهِ وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام وأيضًا فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضًا وهو قوله وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة ٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِى َ رُسُلُ اللَّهِ وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت