فهرس الكتاب
المسألة الخامسة هذه الآية من أقوى الدلائل أيضًا على أن الكفر والإيمان من الله تعالى لأن قوله فَأَحْيَيْنَاهُ وقوله وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ قد بينا أنه كناية عن المعرفة والهدى وذلك يدل على أن كل هذه الأمور إنما تحصل من الله تعالى وبإذنه والدلائل العقلية ساعدت على صحته وهو دليل الداعي على ما لخصناه وأيضًا أن عاقلًا لا يختار الجهل والكفر لنفسه فمن المحال أن يختار الإنسان جعل نفسه جاهلًا كافرًا فلما قصد تحصيل الإيمان والمعرفة ولم يحصل ذلك وإنما حصل ضده وهو الكفر والجهل علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره
فإن قالوا إنما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل أنه علم
قلنا فحاصل هذا الكلام أنه إنما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية وإلا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه وهو المطلوب
وَكَذالِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَة ٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
المسألة الأولى ( الكاف ) في قوله وَكَذالِكَ يوجب التشبيه وفيه قولان الأول وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها الثاني أنه معطوف على ماقبله أي كما زينا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا
المسألة الثانية الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم والآية على التقديم والتأخير تقديره جعلنا مجرميها أكابر ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة فإنه لا يتم المعنى ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل لأنك إذا قلت جعلت زيدًا وسكت لم يفد الكلام حتى تقول رئيسًا أو ذليلًا أو ما أشبه ذلك لاقتضاء الجعل مفعولين ولأنك إذا أضفت الأكابر فقد أضفت الصفة إلى الموصوف وذلك لا يجوز عند البصريين
المسألة الثالثة صار تقدير الآية جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس فهذا أيضًا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى
أجاب الجبائي عنه بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهًا بما إذا أراد ذلك فجاء الكلام على سبيل التشبيه وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارًا خارجة عن الحد والحصر