فهرس الكتاب

الصفحة 2498 من 6606

وجوه الأول أن يكون المراد أن هذا الصغار إنما يحصل في الآخرة حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه والثاني أنهم يصيبهم صغار بحكم الله وإيجابه في در الدنيا فلما كان ذلك الصغار هذا حاله جاز أن يضاف إلى عند الله الثالث أن يكون المراد سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ ثم استأنف وقال عَندَ اللَّهِ أي معدلهم ذلك والمقصود منه التأكيد الرابع أن يكون المراد صغار من عند الله وعلى هذا التقدير فلا بد من إضمار كلمة ( من ) وأما بيان الضرر والعذاب فهو قوله وَعَذَابٌ شَدِيدٌ فحصل بهذا الكلام أنه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ثم بين أن ذلك إنما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم

فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَآءِ كَذالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ

في الآية مسائل

المسألة الأولى تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى

واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا فلفظها أيضًا يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلًا من الكفر أو الكفر بدلًا من الإيمان إلا إذا حصل في القلب داعية إليه وقد بينا ذلك مرارًا كثيرة في هذا الكتاب وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملًا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أن ظن بكون ذلك الفعل مشتملًا على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل

إذا ثبت هذا فنقول يستحيل أن يصدر الإيمان عن العبد إلاإذا خلق الله في قلبه اعتقاد أن الإيمان راجح المنفعة زائد المصلحة وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب وحصل في النفس رغبة شديدة في تحصيله وهذا هو انشراح الصدر للإيمان فأما إذا حصل في القلب اعتقاد أن الإيمان بمحمد مثلًا سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقًا حرجًا فصار تقدير الآية أن من أراد الله تعالى منه الإيمان قوى دواعيه إلى الإيمان ومن أراد الله منه الكفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت