فهرس الكتاب

الصفحة 2499 من 6606

قوى صوارفه عن الإيمان وقوى دواعيه إلى الكفر ولما ثبت بالدليل العقلي أن الأمر كذلك ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن فليس وراءه بيان ولا برهان قالت المعتزلة لنا في هذه الآية مقامان

المقام الأول بيان أنه لا دلالة في هذه الآية على قولكم

المقام الثاني مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا

أما المقام الأول فتقريره من وجوه

الوجه الأول أن هذه الآية ليس فيها أنه تعالى أضل قومًا أو يضلهم لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد أن يهدي إنسانًا فعل به كيت وكيت وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت وليس في الآية أنه تعالى يريد ذلك أو لا يريده والدليل عليه أنه تعالى قال لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ( الأنبياء 17 ) فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله

الوجه الثاني أنه تعالى لم يقل ومن يرد أن يضله عن الإسلام بل قال وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ فلم قلتم أن المراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان

والوجه الثالث أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء فقال كَذالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ( الأنعام 125 )

الوجه الرابع أن قوله وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقًا حرجًا يتقدم حصوله على حصول الضلالة وأن لحصول ذلك المتقدم أثرًا في حصول الضلال وذلك باطل بالإجماع أما عندنا فلا نقول به وأما عندكم فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم

أما المقام الثاني وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا فتقريره من وجوه الأول وهو الذي اختاره الجبائي ونصره القاضي فنقول تقدير الآية ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه ولا يزول عنه وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافًا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن إلا بعد أن يصير مؤمنًا وهي بعد أن يصير الرجل مؤمنًا يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ( التغابن 11 ) وبقوله وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ( العنكبوت 69 ) فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه فأما إذا كفر وعاند وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج ثم سأل الجبائي نفسه وقال كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن

وأجاب عنه بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالًا آخر فقال فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت