فهرس الكتاب

الصفحة 2504 من 6606

وخلقًا لأن الذين يقولون هذا القول هم خصماء الله لأنهم يقولون لله أي ذنب لنا حتى تعاقبنا وأنت الذي خلقته فينا وإرادته منا وقضيته علينا ولم تخلقنا إلا له وما يسرت لنا غيره فهؤلاء لا بد وأن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجة أما الذين قالوا إن الله مكن وأزاح العلة وإنما أتى العبد من قبل نفسه فكلامه موافق لما يعامل به من إنزال العقوبة فلا يكونون خصماء الله بل يكونون منقادين لله هذا كلام القاضي وهو عجيب جدًا وذلك لأنه يقال له يبعد منك أنك ما عرفت من مذاهب خصومك أنه ليس للعبد على الله حجة ولا استحقاق بوجه من الوجوه وأن كل ما يفعله الرب في العبد فهو حكمة وصواب وليس للعبد على الرب اعتراض ولا مناظرة فكيف يصير الإنسان الذي هذا دينه واعتقاده خصمًا لله تعالى أما الذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة وتقريره من وجوه الأول أنه يدعي عليه وجوب الثواب والعوض ويقول لو لم تعطني ذلك لخرجت عن الإلهية وصرت معزولًا عن الربوبية وصرت من جملة السفهاء فهذا الذي مذهبه واعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى والثاني أن من واظب على الكفر سبعين سنة ثم إنه في آخر زمن حياته قال لا إله إلا الله محمد رسول الله عن القلب ثم مات ثم إن رب العالمين أعطاه النعم الفائقة والدرجات الزائدة ألف ألف سنة ثم أراد أن يقطع تلك النعم عنه لحظة واحدة فذلك العبد يقول أيها الإله إياك ثم إياك أن تترك ذلك لحظة واحدة فإنك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولًا عن الإلهية والحاصل أن إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة أوجب على الإله إيصال تلك النعم مدة لا آخر لها ولا طريق له البتة إلى الخلاص عن هذه العهدة فهذا هو الخصومة أما من يقول إنه لا حق لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى وكل ما يوصل إليهم من الثواب فهو تفضل وإحسان من الله تعالى فهذا لا يكون خصمًا

والوجه الثالث في تقرير هذه الخصومة ما حكى أن الشيخ أبا الحسن الأشعري لما فارق مجلس أستاذه أبي علي الجبائي وترك مذهبه وكثر اعتراضه على أقاويله عظمت الوحشة بينهما فاتفق أن يومًا من الأيام عقد الجبائي مجلس التذكير وحضر عنده عالم من الناس وذهب الشيخ أبو الحسن إلى ذلك المجلس وجلس في بعض الجوانب مختفيًا عن الجبائي وقال لبعض من حضر هناك من العجائز إني أعلمك مسألة فاذكريها لهذا الشيخ قولي له كان لي ثلاثة من البنين واحد كان في غاية الدين والزهد والثاني كان في غاية الكفر والفسق والثالث كان صبيًا لم يبلغ فماتوا على هذه الصفات فأخبرني أيها الشيخ عن أحوالهم فقال الجبائي أما الزاهد ففي درجات الجنة وأما الكافر ففي دركات النار وأما الصبي فمن أهل السلامة قال قولي له لو أن الصبي أراد أن يذهب إلى تلك الدرجات العالية التي حصل فيها أخوه الزاهد هل يمكن منه فقال الجبائي لا لأن الله يقول له إنما وصل إلى تلك الدرجات العالية بسبب أنه أتعب نفسه في العلم والعمل وأنت فليس معك ذاك فقال أبو الحسن قولي له لو أن الصبي حينئذ يقول يا رب العالمين ليس الذنب لي لأنك أمتني قبل البلوغ ولو أمهلتني فربما زدت على أخي الزاهد في الزهد والدين فقال الجبائي يقول الله له علمت أنك لو عشت لطغيت وكفرت وكنت تستوحب النار فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعيت مصلحتك وأمتك حتى تنجو من العقاب فقال أبو الحسن قولي له لو أن الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدرك الأسفل من النار فقال يا رب العالمين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت