فهرس الكتاب

الصفحة 2505 من 6606

الراحمين كما علمت من ذلك الأخ الصغير أنه لو بلغ كفر علمت مني ذلك فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي قال الراوي فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي فلما نظر رأى أبا الحسن فعلم أن هذه المسألة منه لا من العجوز ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد أن يجيب عن هذا السؤال فقال نحن لا نرضى في حق هؤلاء الأخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم بل لنا ههنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ثم قال وهو مبني على مسألة اختلف شيوخنا فيها وهي أنه هل يجب على الله أن يكلف العبد أم لا فقال البصريون التكليف محض التفضل والإحسان وهو غير واجب على الله تعالى وقال البغداديون إنه واجب على الله تعالى قال فإن فرعنا على قول البصريين فلله تعالى أن يقول لذلك الصبي إني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلًا على أخيك الزاهد بهذا الفضل أن أكون متفضلًا عليك بمثله وأما إن فرعنا على قول البغداديين فالجواب أن يقال إن إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحسانًا في حقه ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته وأما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصري سعيًا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري بل سعيًا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين الله إنما لزمت على قول المعتزلة وأما على قول أصحابنا رحمهم الله فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب وليس للعبد أن يقول لربه لم فعلت كذا أو ما فعلت كذا فثبت أن خصماء الله هم المعتزلة لا أهل السنة وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا ثم نقول

أما الجواب الأول وهو أن إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل فيجوز أن يخص به بعضًا دون بعض فنقول هذا الكلام مدفوع لأنه تعالى لما أوصل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من الله تعالى لأن الإيصال إلى هذا الثاني ليس فعلًا شاقًا على الله تعالى ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد ألا ترى أن من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر إليه ولا وصول نفع إليه فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولًا فليكن مقبولًا ههنا وإن لم يكن مقبولًا لم يكن مقبولًا البتة في شيء من المواضع وتبطل كلية مذهبكم فثبت أن هذا الجواب فاسد

وأما الجواب الثاني فهو أيضًا فاسد وذلك لأن قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه أن هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة وإلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبدًا في حق الكل وأنه باطل بل معناه أن الله تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فإن إنسانًا آخر يختار من قبل نفسه فعلًا قبيحًا فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه فكذلك قد علم من ذلك الكافر أنه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف فوجب أن يترك تكليفه وذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أنه يكفر وإن لم يجب ههنا لم يجب هنالك وأما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلًا قبيحًا عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت