فهرس الكتاب

الصفحة 2516 من 6606

تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ولصار ذلك العلم جهلًا ولصار ذلك الإشهاد كذبًا وكل ذلك محال فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون وإذا كان الأمر كذلك فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه

وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ ذُو الرَّحْمَة ِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّة ِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

في الآية مسائل

المسألة الأولى اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة بين أن تخصيص المطيعين بالثواب والمذنبين بالعذاب ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ومع كونه غنيًا فإن رحمته عامة كاملة ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الإنسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار إلا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ ذُو الرَّحْمَة ِ ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين الأول إلى بيان كونه تعالى غنيًا فنقول إنه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه لأنه لو كان محتاجًا لكان مستكملًا بذلك الفعل والمستكمل بغيره ناقص بذاته وهو على الله محال وأيضًا فكل إيجاب أو سلب يفرض فإن كان ذاته كافية في تحققه وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته وإن لم تكن كافية فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير والموقوف على الغير ممكن لذاته فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال فثبت أنه تعالى غني على الإطلاق

واعلم أن قوله وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ يفيد الحصر معناه أنه لا غني إلا هو والأمر كذلك لأن واجب الوجود لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج فثبت أنه لا غني إلا هو فثبت بهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت