فهرس الكتاب

الصفحة 2515 من 6606

تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالمًا وليس الأمر عندنا كذلك لأنه تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في شيء من أفعاله وأما المعتزلة فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم وأما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني قال إنه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالمًا لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا فوصف بكونه ظالمًا مجازًا وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

وأما قوله وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ فليس المراد من هذه الغفلة أن يتغافل المرء عما يوعظ به بل معناها أن لا يبين الله لهم كيفية الحال ولا أن يزيل عذرهم وعلتهم

واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في إثبات أنه لا يحصل الوجوب قبل الشرع وأن العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة قالوا لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحدًا على أمر من الأمور إلا بعد البعثة للرسول والمعتزلة قالوا إنها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع لأنه تعالى قال أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ فهذا الظلم إما أن يكون عائدًا إلى العبد أو إلى الله تعالى فإن كان الأول فهذا يدل على إمكان أن يصدر منه الظلم قبل البعثة وإنما يكون الفعل ظلمًا قبل البعثة لو كان قبيحًا وذنبًا قبل بعثة الرسل وذلك هو المطلوب وإن كان الثاني فذلك يقتضي أن يكون هذا الفعل قبيحًا من الله تعالى وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

في الآية مسائل

المسألة الأولى قرأ ابن عامر وحده تَعْمَلُونَ بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة

المسألة الثانية اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلامًا كليًا فقال وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمَّا عَمِلُواْ وفي الآية قولان

القول الأول أن قوله وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمَّا عَمِلُواْ عام في المطيع والعاصي والتقدير

ولكل عامل عمل فله في عمله درجات فتارة يكون في درجة ناقصة وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر

والقول الثاني أن قوله وَلِكُلّ دَرَجَاتٌ مّمَّا عَمِلُواْ مختص بأهل الطاعة لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم وقوله وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول

المسألة الثالثة اعلم أن هذه الآية تدل أيضًا على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر وذلك لأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت