فهرس الكتاب

الصفحة 2518 من 6606

بكونه غنيًا عنه وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح

أما المقدمة الأولى فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة أولها أن في الحوادث ما يكون قبيحًا نحو الظلم والسفه والكذب والغيبة وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها وثانيها كونه تعالى عالمًا بالمعلومات وإليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وثالثها كونه تعالى غنيًا عن الحاجات وإليه الإشارة بقوله وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ثبت أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيًا عنها فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلًا لها لأن المقدم على فعل القبيح إنما يقدم عليه إما لجهله بكونه قبيحًا وإما لاحتياجه فإذا كان عالمًا بالكل امتنع كونه جاهلًا بقبح القبائح وإذا كان غنيًا عن الكل امتنع كونه محتاجًا إلى فعل القبائح وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدًا فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب أن يثيبهم عليها ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي وجب أن يكون عادلًا فيها فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلًا في الكل

فإن قال قائل هب أن بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى فما الفائدة في التكليف

فالجواب أن التكليف إحسان ورحمة على ما هو مقرر في ( كتب الكلام ) فقوله وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ إشارة إلى المقام الأول وقوله ذُو الرَّحْمَة ِ إشارة إلى المقام الثاني فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم

واعلم يا أخي أن الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم وسمعت الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه الله قال سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري يقول نظر أهل السنة على تعظيم الله في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ونظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي فإذا تأملت علمت أن أحدًا لم يصف الله إلا بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله وَرَبُّكَ الْغَنِى ُّ ذُو الرَّحْمَة ِ

ثم قال تعالى إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء والمعنى أنه تعالى لما وصف نفسه بأنه ذو الرحمة فقد كان يجوز أن يظن ظان أنه وإن كان ذا الرحمة إلا أن لرحمته معدنًا مخصوصًا وموضعًا معينًا فبين تعالى أنه قادر على وضع الرحمة في هذا الخلق وقادر على أن يخلق قومًا آخرين ويضع رحمته فيهم وعلى هذا الوجه يكون الاستغناء عن العالمين أكمل وأتم والمقصود التنبيه على أن تخصيص الرحمة بهؤلاء ليس لأجل أنه لا يمكنه إظهار رحمته إلا بخلق هؤلاء أما قوله إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فالأقرب أن المراد به الإهلاك ويحتمل الإماتة أيضًا ويحتمل أن لا يبلغهم مبلغ التكليف وأما قوله وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم يعني من بعد إذهابكم لأن الاستخلاف لا يكون إلا على طريق البدل من فائت وأما قوله مَا يَشَاء فالمراد منه خلق ثالث ورابع واختلفوا فقال بعضهم خلقًا آخر من أمثال الجن والإنس يكونون أطوع وقال أبو مسلم بل المراد أنه قادر على أن يخلق خلقًا ثالثًا مخالفًا للجن والإنس قال القاضي وهذا الوجه أقرب لأن القوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت