فهرس الكتاب
يعلمون بالعادة أنه تعالى قادر على إنشاء أمثال هذا الخلق فمتى حمل على خلق ثالث ورابع يكون أقوى في دلالة القدرة فكأنه تعالى نبه على أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس من الخلق الذين يصلحون لرحمته العظيمة التي هي النواب فبين بهذا الطريق أنه تعالى لرحمته لهؤلاء القوم الحاضرين أبقاهم وأمهلهم ولو شاء لأماتهم وأفناهم وأبدل بهم سواهم ثم بين تعالى علة قدرته على ذلك فقال كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّة ِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ لأن المرء العاقل إذا تفكر علم أنه تعالى خلق الإنسان من نطفة ليس فيها من صورته قليل ولا كثير فوجب أن يكون ذلك بمحض القدرة والحكمة وإذا كان الأمر كذلك فكما قدر تعالى على تصوير هذه الأجسام بهذه الصورة الخاصة فكذلك يقدر على تصويرهم بصورة مخالفة لها وقرأ القراء كلهم ذُرّيَّة ِ بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت بكسر الذال قال الكسائي هما لغتان
ثم قال تعالى إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ قال الحسن أي من مجيء الساعة لأنهم كانوا ينكرون القيامة وأقول فيه احتمال آخر وهو أن الوعد مخصوص بالأخبار عن الثواب وأما الوعيد فهو مخصوص بالأخبار عن العقاب فقوله إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ يعني كل ما تعلق بالوعد بالثواب فهو آت لا محالة فتخصيص الوعد بهذا الجزم يدل على أن جانب الوعيد ليس كذلك ويقوي هذا الوجه آخر الآية وهو أنه قال وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ يعني لا تخرجون عن قدرتنا وحكمنا فالحاصل أنه لما ذكر الوعد جزم بكونه آتيًا ولما ذكر الوعيد ما زاد على قوله وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ وذلك يدل على أن جانب الرحمة والإحسان غالب
قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَة ُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
اعلم أنه لما بين بقوله إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار فقال قُلْ ياأَهْلَ قَوْمٌ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ وفيه مباحث
البحث الأول قرأ أبو بكر عن عاصم مكاناتكم بالألف على الجمع في كل القرآن والباقون عَلَى مَكَانَتِكُمْ قال الواحدي والوجه الإفراد لأنه مصدر والمصادر في أكثر الأمر مفردة وقد تجمع أيضًا في بعض الأحوال إلا أن الغالب هو الأول
البحث الثاني قال صاحب ( الكشاف ) المكانة تكون مصدرًا يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة فقوله اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ويحتمل أيضًا أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة على مكانتك يا فلان أي اثبت على ما أنت عليه لا