فهرس الكتاب

الصفحة 2539 من 6606

والوجه الثاني أنكم تقولون لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى لكنه قد غلبنا الله وقهرناه وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته وذلك يوجب كونه عاجزًا ضعيفًا وذلك يقدح في كونه إلهًا

فأجاب تعالى عنه بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادرًا على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزًا ضعيفًا كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية

والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبه واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة

وإذا ثبت هذا فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه

إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ثم ذكر عقيبه كَذالِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره كان التكليف عبثًا فكانت دعوى الأنبياء باطلة ونبوتهم ورسالتهم باطلة ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا اعتراض عليه لأحد في فعله فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع

فالحاصل أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء فيكون الحاصل أن هذا الاستدلال باطل وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل

فإن قالوا هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى كَذالِكَ كَذَّبَ بالتسديد وأما إذا قرأناه بالتخفيف فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان الأول أنا نمنع صحة هذه القراءة والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم لوقع التناقض ولخرج القرآن عن كونه كلامًا لله تعالى ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة فوجب المصير إليه الثاني سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ومما يقوي ما ذكرناه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت