فهرس الكتاب

الصفحة 2538 من 6606

فالوجه الأول أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح فوجب كون هذا المذهب مذمومًا باطلًا

والوجه الثاني أنه تعالى قال كَذَّبَ وفيه قراءتان بالتخفيف وبالتثقيل أما القراءة بالتخفيف فهي تصريح بأنهم قد كذبوا في ذلك القول وذلك يدل على أن الذي تقوله المجبرة في هذه المسألة كذب وأما القراءة بالتشديد فلا يمكن حملها على أن القول استوجبوا الذم بسبب أنهم كذبوا أهل المذاهب لأنا لو حملنا الآية عليه لكان هذا المعنى ضدًا لمعنى الذي يدل عليه قراءة كَذَّبَ بالتخفيف وحينئذ تصير إحدى القراءتين ضدًا للقراءة الأخرى وذلك يوجب دخول التناقض في كلام الله تعالى وإذا بطل ذلك وجب حمله على أن المراد منه أن كل من كذب نبيًا من الأنبياء في الزمان المتقدم فإنه كذبه بهذا الطريق لأنه يقول الكل بمشيئة الله تعالى فهذا الذي أنا عليه من الكفر إنما حصل بمشيئة الله تعالى فلم يمنعني منه فهذا طريق متعين لكل الكفار المتقدمين والمتأخرين في تكذيب الأنبياء وفي دفع دعوتهم عن أنفسهم فإذا حملنا الآية على هذا الوجه صارت القراءة بالتشديد مؤكدة للقراءة بالتخفيف ويصير مجموع القراءتين دالًا على إبطال قول المجبرة

الوجه الثالث في دلالة الآية على قولنا قوله تعالى حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا وذلك يدل على أنهم استوجبوا الوعيد من الله تعالى في ذهابهم إلى هذا المذهب

المذهب الرابع قوله تعالى قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ وَقَالُواْ لَنَا ولا شك أنه استفهام على سبيل الأنكار وذلك يدل على أن القائلين بهذا القول ليس لهم به علم ولا حجة وهذا يدل على فساد هذا المذهب لأن كل ما كان حقًا كان القول به علمًا

الوجه الخامس قوله تعالى إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ مع أنه تعالى قال في سائر الآيات إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئًا

والوجه السادس قوله تعالى وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ والخرص أقبح أنواع الكذب وأيضًا قال تعالى قُتِلَ الْخَرصُونَ

والوجه السابع قوله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّة ُ الْبَالِغَة ُ وتقريره أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى وإذا شاء الله منا ذلك فكيف يمكننا تركه وإذا كنا عاجزين عن تركه فكيف يأمرنا بتركه وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء فقال تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّة ُ الْبَالِغَة ُ وذلك من وجهين

الوجه الأول أنه تعالى أعطاكم عقولًا كاملة وأفهامًا وافية وآذانًا سامعة وعيونًا باصرة وأقدركم على الخير والشر وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضًا بالضرورة وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة ا بل لله الحجة البالغة عليكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت