فهرس الكتاب
عليه هذا الظاهر فكيف يصار إليه ثم نقول هذا الدليل باطل من وجوه الأول أن هذا الكلام لا بد فيه من إضمار فنحن نقول التقدير لو شاء الهداية لهداكم وأنتم تقولون التقدير لو شاء الهداية على سبيل الإلجار لهداكم فإضماركم أكثر فكان قولكم مرجوحًا الثاني أنه تعالى يريد من الكافر الإيمان الاختياري والإيمان الحاصل بالإلجاء غير الإيمان الحاصل بالاختيار وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى عاجزًا عن تحصيل مراده لأن مراده هو الإيمان الاختياري وأنه لا يقدر البتة على تحصيله فكان القول بالعجز لازمًا الثالث أن هذا الكلام موقوف على الفرق بين الإيمان الحاصل بالاختيار وبين الإيمان الحاصل بالإلجاء أما الإيمان الحاصل بالاختيار فإنه يمتنع حصوله إلا عند حصول داعية جازمة وإرادة لازمة فإن الداعية التي يترتب عليها حصول الفعل إما أن تكون بحيث يجب ترتب الفعل عليها أو لا يجب فإن وجب فهي الداعية الضرورية وحينئذ لا يبقى بينها وبين الداعية الحاصلة بالإلجاء فرق وإن لم تجب ترتب الفعل عليها فحينئذ يمكن تخلف الفعل عنها فلنفرض تارة ذلك الفعل متخلفًا عنها وتارة غير متخلف فامتياز أحد الوقتين عن الآخر لا بد وأن يكون لمرجح زائد فالحاصل قبل ذلك ما كان تمام الداعية وقد فرضناه كذلك وهذا خلف ثم عند انضمام هذا القيد الزائد إن وجب الفعل لم يبق بينه وبين الضرورية فرق وإن لم يجب افتقر إلى قيد زائد ولزم التسلسل وهو محال فثبت أن الفرق الذي ذكروه بين الداعية الاختيارية وبين الداعية الضرورية وإن كان في الظاهر معتبرًا إلا أنه عند التحقيق والبحث لا يبقى له محصول
قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَاذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاٌّ خِرَة ِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حجهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة وفي الآية مسائل
المسألة الأولى هَلُمَّ كلمة دعوة إلى الشيء والمعنى هاتوا شهداءكم وفيه قولان الأول أنه يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والذكر والأنثى قال تعالى قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ وقال وَالْقَائِلِينَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا واللغة الثانية يقال للاثنين هلما وللجمع هلموا وللمرأة هلمي وللاثنين هلما وللجمع هلمن والأول أفصح
المسألة الثانية في أصل هذه الكلمة قولان قال الخليل وسيبويه أنها ( ها ) ضمت إليها ( لم ) أي جمع وتكون بمعنى أدن يقال لفلان لمة أي دنو ثم جعلتا كالكلمة الواحدة والفائدة في قولنا ( ها ) استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الأمر إلا أنه لما كثر استعماله حذف عنه الألف على سبيل التخفيف كقولك لم أبل ولم أر ولم تك وقال الفراء أصلها ( هل ) أم أرادوا ( بهل ) حرف الاستفهام