واعلم أنه تعالى قال إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاى َ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ فأثبت كون الكل لله والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة الله تعالى فإن ذلك محال بل معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله تعالى فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله مفسرًا بكونهما واقعين بخلق الله وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله تعالى وقرأ نافع محياي ساكنة الياء ونصبها في مماتي وإسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل لأن فيه جمعًا بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم ومنهم من قال إنه لغة لبعضهم وحاصل الكلام أنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى وتقديره وقضاءه وحكمه ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق والتقدير ثم يقول وبذلك أمرت أي وبهذا التوحيد أمرت
ثم يقول أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي المستسلمين لقضاء الله وقدره ومعلوم أنه ليس أولًا لكل مسلم فيجب أن يكون المراد كونه أولًا لمسلمي زمانه
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَى ْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة ٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
اعلم أنه تعالى لما أمر محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) بالتوحيد المحض وهو أن يقول إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى إلى قوله لاَ شَرِيكَ لَهُ أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد وتقريره من وجهين الأول أن أصناف المشركين أربعة لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون بيزدان وأهرمن وهم الذين قال الله في حقهم وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ أشركوا بالله والقائلون بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته أشركوا أيضًا بالله فهؤلاء هم فرق المشركين وكلهم معترفون أن الله خالق الكل وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض ولكل ما في العالم من الموجودات وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها وأما القائلون بيزدان وهرمن فهم أيضًا معترفون بأن الشيطان محدث وأن محدثه هو الله سبحانه وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء
إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبّا مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربًا غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكًا للرب وجعل العبد شريكًا للمولى وجعل المخلوق شريكًا للخالق ولما كان الأمر كذلك ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد ودين باطل