الوجه الثاني في تقرير هذا الكلام أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته وثبت أن الواجب لذاته واحد فثبت أن ما سواه ممكن لذاته وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى ربًا لكل شيء
وإذا ثبت هذا فنقول صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكًا للرب وجعل المخلوق شريكًا للخالق فهذا هو المراد من قوله قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَى ْء ( الأنعام 164 ) ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ( الأنعام 164 ) ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره وَلاَ تَزِرُ وَازِرَة ٌ وِزْرَ أُخْرَى ( الإسراء 15 ) أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى فهو قوله ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( الأنعام 164 )
وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
اعلم أن في قوله جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الاْرْضِ وجوهًا أحدها جعلهم خلائف الأرض لأن محمدًا عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم وثانيها جعلهم يخلف بعضهم بعضًا وثالثها أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها
ثم قال وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ في الشرف والعقل والمال والجاه والرزق وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَاكُمُ ( المائدة 48 ) وقد ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيهًا بالابتلاء والامتحان فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصرًا فيما كلف به وإما أن يكون موفرًا فيه فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب وهو قوله إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ( الأنعام 165 ) ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آت قريب وإن كان الثاني وهو أن يكون موفرًا في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ أي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه وهذا آخر الكلام في تفسير سورة الأنعام والحمد لله الملك العلام