فهرس الكتاب

الصفحة 2565 من 6606

يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة

الوجه الثاني أنه تعالى لما قال فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( الأعراف 5 ) أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب

المسألة الثانية الذين أرسل إليهم هم الأمة والمرسلون هم الرسل فبين تعالى أنه يسأل هذين الفريقين ونظير هذه الآية قوله فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( الحجر 92 )

ولقائل أن يقول المقصود من السؤال أن يخبر المسؤول عن كيفية أعماله فلما أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة أنهم يقرون بأنهم كانوا ظالمين فما الفائدة في ذكر هذا السؤال بعده وأيضًا قال تعالى بعد هذه الآية فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ فإذا كان يقصه عليهم بعلم فما معنى هذا السؤال

والجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب ذلك الظلم والتقصير والمقصود منه التقريع والتوبيخ

فإن قيل فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة

قلنا لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار لما ثبت أن كل التقصير كان منهم

ثم قال تعالى فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ والمراد أنه تعالى يكرر ويبين للقوم ما أعلنوه وأسروه من أعمالهم وأن يقص الوجوه التي لأجلها أقدموا على تلك الأعمال ثم بين تعالى أنه إنما يصح منه أن يقص تلك الأحوال عليهم لأنه ما كان غائبًا عن أحوالهم بل كان عالمًا بها وما خرج عن علمه شيء منها وذلك يدل على أن الإلهية لا تكمل إلا إذا كان عالمًا بجميع الجزئيات حتى يمكنه أن يميز المطيع عن العاصي والمحسن عن المسيء فظهر أن كل من أنكر كونه تعالى عالمًا بالجزئيات امتنع منه الاعتراف بكونه تعالى آمرًا ناهيًا مثيبًا معاقبًا ولهذا السبب فإنه تعالى أينما ذكر أحوال البعث والقيامة بين كونه عالمًا بجميع المعلومات

المسألة الثالثة قوله تعالى فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ يدل على أنه تعالى عالم بالعلم وأن قول من يقول إنه لا علم لله قول باطل

فإن قيل كيف الجمع بين قوله فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وبين قوله فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ ( الرحمن 39 ) وقوله وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( القصص 78 )

قلنا فيه وجوه أحدها أن القوم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إلى الأعمال وعن الصوارف التي صرفتم عنها وثانيها أن السؤال قد يكون لأجل الاسترشاد والاستفادة وقد يكون لأجل التوبيخ والإهانة كقول القائل ألم أعطك وقوله تعالى أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى وَإِذْ أَخَذَ ( ي س 60 ) قال الشاعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت