فهرس الكتاب

الصفحة 2573 من 6606

المسألة الثالثة احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب فقالوا إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجبًا للذم

فإن قالوا هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك

قلنا قوله تعالى مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر لأن قوله إِذْ أَمَرْتُكَ مذكور في معرض التعليل والمذكور في قوله إِذْ أَمَرْتُكَ هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمرًا مخصوصًا في صورة مخصوصة وإذا كان كذلك وجب أن يكون ترك الأمر من حيث أنه أمر موجبًا للذم وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب

المسألة الرابعة احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال ولو كان الأمر لا يفيد الفور لمااستوجب هذا الذم بترك السجود في الحال

المسألة الخامسة اعلم أن قوله تعالى مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي وهو أنه قال أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ومعناه أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم لأني خير منه ومن كان خيرًا من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدونا ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ بأن قال خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل فوجب كون إبليس خيرًا من آدم أما بيان أن النار أفضل من الطين فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات وأيضًا فالنار قوية التأثير والفعل والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال وأيضًا فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت والحياة أشرف من الموت وأيضًا فنضج الثمار متعلق بالحرارة وأيضًا فسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلًا في هذين الوقتين وأما وقت الشيخوخة فهو وقت البرد واليبس المناسب للأرضية لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الإنسان فأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحًا في العقول فهذا هو تقرير لشبهة إبليس فنقول هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة أولها أن النار أفضل من التراب فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة وأما المقدمة الثانية وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل فهذا هو محل النزاع والبحث لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر والنور من الظلمة والظلمة من النور وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر وأيضًا التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه وأيضًا فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت